Header Socials

لماذا نهرب من التلفاز؟!

لم أنسى كلمة سائق السيارة التابعة لإحدى المؤسسات الإعلامية في الشقيقة الإمارات عندما كان ينقلني إلى مقر المؤسسة لتلبية دعوة للمشاركة في إحدى حلقات برنامج أسبوعي يذاع في فترة الصباح، حيث قال لي بكلمة واحدة:”من سيتابع البرنامج الصباحي؟! لم يعد أحد يتابع القنوات الفضائية”.

لا أنوي التركيز على سائق السيارة الذي غير كلامه بعد دخولنا لمقر المؤسسة، بل سأسلط الضوء على النقطة المظلمة التي تخاف المؤسسات الإعلامية العربية من الحديث عنها، حيث نشرت الشركة الأمريكية (ميدياميتري يوروداتا تي في وورلدوايد) في 2012 دراسة مخيفة تثبت حقيقة انخفاض نسبة متابعة شعوب العالم القنوات التلفزيونية، حيث ذكرت الشركة عبر وكالة أنباء العالمية (رويترز) أن الأميركيين الذين يعتبرون أكبر مستهلكين للبرامج التلفزيونية في العالم قد شاهدوا التلفاز لمدة 4 ساعات و50 دقيقة في اليوم الواحد بين شهري يناير وأغسطس، أي أن مدة المشاهدة تراجعت 4 دقائق في العام الواحد.

أما عن اليابان، فأن الدراسة أكدت بأن الفرد الياباني يشاهد التلفاز لمدة أقل من الفرد الأمريكي بدقيقتين بالمقارنة مع العام 2011، فيما يمضي الألمان مدة أقل بأربع دقائق أمام شاشات التلفاز، حيث أوضحت الدراسة بأن القنوات التقليدية سقطت أمام الوحش الكاسر وهو الأنترنت، وتحديداً البرامج الترفيهية والعلمية التي تخرج من عباءة القنوات التقليدية مثل موقع يوتيوب وأيضاً برامج التواصل الاجتماعي كتويتر وانستغرام وفيسبوك وغيرها.

حتى الآن لم تخرج دراسة تكشف واقع التلفاز العربي ونسبة تراجع مشاهديها، ولكن ظهور الانتقادات الساخرة للشعوب العربية على قنواتها التلفزيونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي يثبت حقيقة كلمة زميلنا سائق سيارة المؤسسة الإعلامية، حيث ذكر الكثير من المنتقدين نقاط ضعف القنوات العربية كتكرار الخطاب الوعظي الذي يناسب زمن الثمانينات ولا يناسب زمن 2017، وأيضاً كثرة البرامج المعلبة التي تكلف خزينة القنوات الكثير من الملايين ولكنها للأسف لا تقدم أي شيء يفيد العقل العربي مثل البرامج الغنائية (المُعربة) من الإعلام الأجنبي والذي هو الآخر يعاني انخفاض نسبة متابعيه كما ذكرت الدراسة الأمريكية!

لن أتحدث عن عيوب التلفاز الأمريكي أو الياباني، بل سأتحدث عن التلفاز العربي بمختلف الدول العربية والتي لا تزال تتجاهل حقيقية الأمر الواقع وهو تغير عقلية المشاهد العربي لأنها تخاف من طرح هذا السؤال المخيف.. (لماذا يهرب العرب من القنوات العربية؟!).

عند أخذ جولة بسيطة في تويتر سنكتشف بعض الحسابات التي نجحت في تحويل منصتها إلى منصة بديلة عن التلفاز التقليدي، على سبيل المثال حساب (عبدالله الخريف) الذي يترجم بعض المقولات والمواقف الإنسانية التي تم عرضها بلغتها الأصلية في مختلف دول العالم، ليتجاوز عدد متابعيه أكثر من 700 ألف متابع، ولو ركزنا على طبيعة تلك المحتويات التي يترجمها الخريف سنجد بأنها جديدة على العقل العربي، وهي المحتويات التي تدعو إلى التعايش والتسامح والإنسانية والفكر ولم تُعرض في القنوات العربية من قبل، ليكون التلفاز العربي متأخر للغاية عن العقل العربي الذي بدأ في السير بهدوء نحو تلك المبادئ العظيمة.

لم يعد العقل العربي يقبل بالبرامج العربية التي تسخر من أديان ولهجات وأعراق شعوب العالم تحت حجة الكوميديا، لتجد القنوات العربية صعوبة بالغة في التحرر من (عبودية الكوميديا) لأنها لا تزال ترزح تحت وصايا الإعلانات ورجال الأعمال الذين يبحثون عن الربح السريع دون النظر إلى مستقبل العقل العربي.

وأكبر اختبار تعرض له الإعلام العربي التقليدي ورسب فيه بامتياز هو اختبار إحدى المجلات العربية الشهيرة المتخصصة بمجال الفنون، حيث قامت المجلة بنشر حوار مع مطربة شهيرة معروفة باعتناقها الديانة المسيحية، لتنشر المجلة صورة المطربة ولكن مُعدلة بنظام (الفوتوشوب) من أجل حذف قلادة الصليب حول رقبتها، لتحدث الصورة المُعدلة غضباً عارماً من المغردين العرب بمختلف جنسياتهم وأديانهم في تويتر الذين انتقدوا بشدة تصرف المجلة عبر حسابها الرسمي، وهذا الأمر جعل المجلة تصدر بياناً رسمياً تعتذر فيه مع إرفاق الصورة الرسمية للمطربة مع قلادة الصليب، ومن هنا نكتشف بأن عقلية الجيل الجديد من العرب تخطت عقلية الإعلام العربي في مدة زمنية قصيرة.

لنعود إلى زميلنا سائق سيارة المؤسسة الإعلامية، بعد عام من جملته تلك تلقيت اتصال منه يخبرني بأنه ترك المؤسسة وعاد إلى دياره في شمال أفريقيا من أجل البدء في مشروع جديد وهو تأسيس برنامج في موقع يوتيوب، حيث سيدعو برنامجه إلى محاربة التطرف والمذهبية والتي انتشرت للأسف في منطقتنا العربية لعدة أسباب، ومنها فشل الإعلام العربي في نشر مبادئ التعايش والإنسانية لأكثر من 60 عاماً، ومن هنا سيبدأ زميلي في رحلة نشر التعايش والإنسانية بعد أن هرب من المؤسسة التلفزيونية!.
بقلم / ريان الجدعاني – محرر صحفي ومنتج برنامج اليوتيوب (#مع_ريان_الجدعاني) المهتم بالرياضة النسائية في العالم العربي

اترك تعليق

Note: Your email address will not be published

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>