Header Socials

وجوه تسكننا

1

عندما يخوننا الجسد ويعلن ضعفه تبدأ كل الحواجز التي أحطنا أنفسنا بها في السقوط شيئا فشيئا.

كان كل ما فيه يصرخ رافضا حضورها الطاغي عليه، وصوتها الذي يسابق الزمن للوصول إليه.

أما هي فبدت وكأنها لا تسمع أو ترى… كانت تتحدث بشكل متواصل وهو يزحف بجسده على الكرسي يحاول جاهدا الفرار منها. كل نظرة في وجهه تنطق بالرفض.

رفض لجسد ضعيف…

رفض لواقع مرير…

رفض لحب أجبرته عليه الظروف…

وفي آخر الجلسة كان وجهه ينطق بالتصميم.

صمم على الشفاء جسدا وروحا. يشفي جسده بالتخلص من كسوره، ويشفي روحه بالخلاص منها لينال حريته التي كانت حلما مؤجلا.

حلم الحرية عاد إليه عندما وضعوا القيد حول جسده.

 

2

منذ صغري وهم يقولون لي الرجل لا يخاف. كن قويا. لا تبكي.

لكن عندما كبرت اكتشفت أنني إنسان لذا أنا أخاف.

جلست في غرفة الانتظار خائفا أنتظر موعدي. خوفي مستمر منذ البارحة. أشعر وكأن أحدهم رماني في البحر أنتظر قدري في الأعماق. لشدة خوفي لم أعد أشعر بالألم في جسدي.

عقارب الساعة تسير ببطء تكاد لا تصل للعاشرة والنصف.

أريد سحقها سحبها تعذيبها. لكنها هي التي عذبتني.

وعندما أعلنت وصولها للعاشرة والنصف أعلنتها وهي تبتسم إبتسامة ساخرة مخيفة.

ومع هذا الإعلان جاءت الممرضة تعلن تأخر الطبيب، والأظرف أن الطبيب نسي مواعيده.

حينها تحول خوفي كله إلى غضب. كيف لشخص سخّر نفسه لخدمة الآخرين أن ينساهم؟ هل يحق له أن يمتلك حياة خاصة؟

الطبيب ملك لمرضاه لا لنفسه.

كل دقيقة انتظار تمر أشعر كأنني عفريت الحكايات الذي حبس في أعماق البحر آلاف السنين، فحينا يقسم على الانتقام وحينا يقسم على العفو.

عندما رأيت الطبيب قادم وكأنه عريس في يوم زفافه أقسمت على الانتقام، لكن عندما بدأ حديثه معي بإبتسامة عفوت.

ومع زوال الغضب عاد الألم والخوف.

  

3

أقبلت بوجه ملائكي جميل فشعرت بالارتياح عند النظر إليها، لكن عندما بدأت في الكلام ظهر منها جانب شيطاني أخافني.

بالرغم من بساطة طلبها إلا أنه بدا في عالمنا وكأنها امرأة استحوذ الشيطان على روحها.

دخلت إلينا وبكل ثقة سألت إن كان من الممكن أن تأخذ أحد الأطباء معها إلى المنزل.

عندما رأت نظرة الاستنكار استطردت مبررة طلبها بمرض والدتها وتورم ركبتها، ثم عرضت الأموال لأي طبيب يقبل الذهاب معها.

وكما كانت هي ملاك شيطاني. شعرت بنفسي شيطانا ملائكيا.

جانب مني رأى فتاة خائفة لحد الموت على أمها وتحاول محاولات خارجة عن المنطق أن تساعدها.

أما الجانب الآخر فرأى فتاة تحاول استعراض نفسها ولفت الأنظار إليها.

شعرت بالخوف وشعرت بنفسي في الموقفين. رأيت نفسي أنظر إلى أمي تتألم، هل سأصمت وأراقبها، أم سأحاول عرضها على طبيب بأي طريقة وفي أي مكان وسأبحث عن أسهل الحلول أولا.

وإن كنت امرأة جميلة تحتاج للاهتمام ماذا سأفعل. هل سأبحث عمن ينظر إلي أم أنني سأبحث عن حب مجنون يوازي جنوني؟

 

بقلم : نهلة الثقفي

روائية سعودية

أستاذة اللغة العربية في جامعة عفت

اترك تعليق

Note: Your email address will not be published

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>